الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

145

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

الجهة الثالثة : في ترتيب المرجّحات ذهب شيخنا الأعظم رحمه الله إلى لزوم مراعاة الترتيب بين المرجّحات ، فإنّها على ثلاثة أقسام : المرجّحات السندية وهي ما ترجع إلى أصل الصدور كالشهرة وأعدلية الراوي أو أوثقيته ، والمرجّحات الجهتيّة وهي ما ترجع إلى جهة الصدور ، أي التقيّة وعدمها ، كمخالفة العامّة ، والمرجّحات المضمونيّة ، وهي ما ترجع إلى المضمون كموافقة الكتاب ، فقال رحمه الله بتقديم الأوّل على الثاني والثالث ، لأنّ جهة الصدور متفرّعة على أصل الصدور ، فإذا كان الخبران المتعارضان مقطوعي الصدور كما في المتواترين أو بحكم مقطوعي الصدور فتصل النوبة إلى المرجّح الجهتي ، وأمّا إذا كانا متفاضلين من حيث الصدور فيجب التعبّد حينئذٍ بالراجح صدوراً ، ولا تكاد تصل النوبة إلى المرجوح صدوراً كي يلاحظ رجحانه جهة « 1 » . ويلاحظ عليه : أنّ المرجّحات الجهتيّة أو المضمونيّة وإن كانت متأخّرة عن المرجّحات الصدوريّة بحسب الوجود الخارجي ؛ لأنّ جهة الصدور أو المضمون فرع لأصل الصدور ، إلّاأنّه لا دخل له فيما هو المهمّ في المقام ، فإنّ محلّ البحث في ما نحن فيه هو الحجّية بمعنى ترتيب الأثر العملي ، ولا ريب في أنّ كلًاّ من الجهات الثلاثة شرط في الحجّية والعمل ، ومن أجزاء العلّة التامّة له في عرض واحد ، ولا تقدّم لأحدها على غيره من هذه الجهة ، أي من ناحية العمل . فالحقّ عدم اعتبار الترتيب بين المرجّحات ، فلابدّ من الرجوع إلى أقوى الدليلين وأظهرهما ، وهو مختلف بحسب اختلاف المقامات ، ولو لم يكن أحدهما أقوى أو أظهر سقطت المرجّحات فتصل النوبة إلى التخيير ، هذا كلّه بحسب القواعد الأوليّة . وأمّا بحسب الأدلّة الخاصّة : فالمهمّ منها هو مقبولة عمر بن حنظلة كما عرفت ، والمذكور فيها ثلاث مرجّحات : الشهرة ، وموافقة الكتاب والسنّة ، ومخالفة العامّة وما يلحق بها من مخالفة ميل حكّامهم ، وظاهرها هو لزوم الترتيب بين المرجّحات الثلاثة .

--> ( 1 ) . فرائد الأصول ، ج 4 ، ص 136